الشيخ الطبرسي
464
تفسير مجمع البيان
المنير الهادي إلى الحق . ( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور [ 185 ] ) . اللغة : يقال لكل من نجا من هلكة ، وكل من لقي ما يغتبط به : فقد فاز . وتأويل فاز : تباعد عن المكروه ، ولقي ما يحب . ومعنى قولهم مفازة للمهلكة التفأل ، وإنما المفازة المنجاة كما سموا اللذيع سليما ، والأعمى بصيرا . المعنى : ثم بين سبحانه أن مرجع الخلق إليه ، فيجازي المكذبين رسله على أعمالهم ، من حيث حتم الموت على جميع خلقه فقال : ( كل نفس ذائقة الموت ) أي : ينزل بها الموت لا محالة ، فكأنها ذاقته . وقيل : معناه كل نفس ذائقة مقدمات الموت ، وشدائده وسكراته كقوله تعالى : ( حتى إذا جاء أحدهم الموت ) . وعلى هذا جاء قوله : " لقنوا أمواتكم شهادة أن لا إله إلا الله " . وهذا الظاهر يدل على أن كل نفس تذوق الموت ، وإن كانت مقتولة ، وإن القتل لا ينفك عن الموت الذي هو فعل الله . وقيل : إن المراد بالموت هنا : انتفاء الحياة والقتيل قد انتفت الحياة منه . والقتيل فهو داخل في الآية . ( وإنما توفون أجوركم ) معناه : وإنما تعطون جزاء أعمالكم وافيا ( يوم القيامة ) إن خيرا فخيرا وثوابا ، وإن شرا فشرا وعقابا . فإن الدنيا ليست بدار جزاء ، وإنما هي دار عمل . والآخرة دار جزاء ، وليست بدار عمل . ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة ) أي : بوعد عن نار جهنم ، ونخي عنها ، وادخل الجنة ( فقد فاز ) أي نال المنية ، وظفر بالبغية ، ونجا من الهلكة . ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) معناه : ما لذات الدنيا وشهواتها وزينتها ، إلا متعة متعكموها الغرور والخداع المضمحل الذي لا حقيقة له عند الاختبار ، لأنكم تلتذون بها ، ثم إنها تعود عليكم بالرزايا والفجائع ، ولا تركنوا إليها ، ولا تغتروا بها ، فإنها هي غرور ، وصاحبها مغرور . وقيل : متاع الغرور القوارير ، وهي في الأصل ما لا بقاء له ، عن عكرمة . وفي الآية دلالة على أن أقل نعيم من الآخرة ، خير من نعيم الدنيا بأسره ،